ملا محمد مهدي النراقي
112
جامع السعادات
ومن حيث أنه - تعالى - تام فوق التمام في الذات والصفات الكمالية ، والنفس بذاتها مشتاقة إلى الكمال المطلق ، وهذه المحبة فرع المحبة ولا تحصل بدونها ، ولذا قال سيد الرسل ( ص ) : ( ما اتخذ الله وليا جاهلا قط ) . وحب الأب لابنه وبالعكس نسبة هذا القسم ، من حيث أن الأب سبب ظاهر لوجود الابن ، وإن لم يكن سببا حقيقيا ، بل علة معدة له ، فيحبه لأنه يراه بمنزلة نفسه ، ويظنه مثالا من ذاته ، ونسخة نقلتها الطبيعة من صورته ويعد وجوده بعده بمنزلة البقاء الثاني لنفسه ، فيظنه أنه جزؤه وفي الخلق والخلق مثله ، وكذا كل ما يريد لنفسه من الكمالات يريد أفضله له ويفرح بترجيحه عليه ، وتفضيله عليه عنده بمثابة أن يقال : إنه في الآن أفضل من السابق ، ومما يؤكد محبته له : إنه يرجو منه إنجاح مقاصده ومطالبه في حياته ومماته ، وليست محبة الابن للأب كمحبة الأب للابن ، بل هو أضعف ، لفقد بعض الأسباب الباعثة له ، ولذا أمر الأولاد في الشريعة بحب الآباء دون العكس ، وكذا المحبة التي بين المعلم والمتعلم من هذا القسم ، لأن المعلم كالسبب القريب للحياة الروحاني للمتعلم وإفاضة الصورة الإنسانية عليه ، كما إن الأب كالسبب لحياته الجسمانية ورتبته الصورية ، فهو والد روحاني له ، وبقدر شرافة الروح على الجسم يكون المعلم أشرف من الأب وعلى هذا ينبغي أن تكون محبة المعلم أدون من محبة الموجد الحقيقي وأكثر من محبة الأب ، وقد ورد في الحديث : ( إن آبائك ثلاثة : من ولدك ، ومن علمك ، ومن زوجك ، وخير الآباء من علمك ) . وسئل عن ذي القرنين : أن أباك أحب إليك أم معلمك ؟ قال : ( معلمي أحب إلي ، لأنه سبب لحياتي الباقية ، وأبي سبب لحياتي الفانية ) . وقال أمير المؤمنين ( ع ) : ( من علمني حرفا فقد صيرني عبدا ) . وعلى هذا ينبغي أن يكون حب النبي ( ص ) وأوصياؤه الراشدين - عليهم السلام - أوكد من جميع أقسام الحب بعد محبة الله - سبحانه - ، لأنه المعلم الحقيقي والمكمل الأول ، ولذا قال ( ص ) ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده ) . التاسع - محبة المتشاركين في سبب واحد بعضهم لبعض ، كمحبة